تابعونا

لم يتم التحقق

الإعلام الصّهیونی وأیدیولوجیا التصهین؟!

الرباط, عمالة الرباط, الرباط سلا القنيطرة, المغرب

یشکل الإعلام حجر الزاویة فی استراتیجیة الصهاینة منذ قیام الحرکة الصهیونیة على ید الصحفی الیهودی ''تیودور هرتزل'' الذی استطاع عقد المؤتمر الصهیونی الأول فی 1897 فی مدینة بال بسویسرا حیث جاء فی البند الثالث من مقرراته ''ضرورة العمل على نشر الروح و الوعی بین یهود العالم و تعزیزهما لدیهم من أجل دفعهم للهجرة إلى فلسطین'' ، و بالتالی لابد من ‏رسم استراتیجیة إعلامیة ، تقضی على التعمیمات الجارفة عن العرب و المسلمین التی تصوغها الدوائر الغربیة السیاسیة والثقافیة والإعلامیة.‏
و کتب الباحث والخبیر المغربی "مصطفى قطبی" فی مقال لـ"تسنیم" تحت عنوان "الإعلام الصّهیونی وأیدیولوجیا التصهین؟!" ان الإعلام الصهیونی عمل على ترسیخ مقولة رئیسیة مفادها أنه لیس للغرب فی هذه المنطقة أفضل من الغرب نفسه، کما یتمثل ذلک فی «إسرائیل»' التی اعتمدت منذ البدایة على الدول الغربیة الاستعماریة والدفاع عن مصالحها ، وهذا ما أکده الأکادیمی ''جورج رودر'' حیث قال : إن بقاء «إسرائیل» کقوة غربیة رادعة یعتبر مسألة بالغة الأهمیة للدفاع عن أوروبا وعلى المدى الطویل عن أمن الولایات المتحدة الأمیرکیة وهی مستعدة وراغبة فی مشارکتنا أهدافنا الدفاعیة والغرب مطالب بالدفاع عنها فی وجه التهدیدات التی تأتیها من الدول العربیة التی تستهدفها وتحاول القضاء علیها .‏

لقد تنبهت الصهیونیة إلى تلک القوة الهائلة لوسائل الإعلام بمختلف أنواعها فی ممارسة اللعبة السیاسیة من خلال استغلال فن الخداع البصری والسمعی ـ الدعایة السیاسیة ـ على المشاهدین والمستمعین بمختلف مستویاتهم التعلیمیة والاجتماعیة والسیاسیة، بحیث تم استغلال تلک الوسائل ـ التی یفترض أن تکون وسائل موضوعیة وحیادیة لنقل الحقائق بکل مصداقیة ـ لتزییف الحقائق وتشویه الصور على أرض الواقع، وذلک من خلال إعلام مضاد ودعایة سیاسیة موجهة لقلب الواقع وتغییر ملامحه الحقیقیة لتوازی وتواکب الهدف الصهیونی المراد توصیله إلى المشاهد والمستمع فی مختلف أرجاء المعمورة .
وفی هذا السیاق یقول الکاتب الیهودی "ویلیام تسوکرمان" (فی رأیی إن قوة البروبوغاندا الحدیثة المخیفة والمرعبة والقادرة على احتلال أذهان الناس وحیاتهم، وعلى التلاعب بعواطفهم، وتحویلهم إلى حیوانات، ولیست فی أی مکان على هذا الوضوح کما هی فی البروبوغاندا الصهیونیة... فقد نجحت هذه البروبوغاندا حرفیاً فی تحویل الأسود إلى أبیض، والأکاذیب إلى حقیقة، والظلم الاجتماعی الخطیر إلى عمل عادل یمتدحه الکثیرون، کما حولت أناساً قادرین من ذوی الألباب إلى مغفلین وأغبیاء).
فعملیة تألیب الرأی العام العالمی ضد العرب وتشویه صورتهم وتزییف حقیقة وعدالة قضیتهم هی سیاسة تتم صیاغتها بعنایة فائقة من قبل المسؤولین «الإسرائیلیین» ساسة وأکادیمیین.‏ فقد نجحت الاستراتیجیة الصهیونیة فی خلق الشحن النفسی وحتى المذهبی والطائفی وهو العامل المؤثر والأهم، ولعل کل متتبع عربی شاهد مدى الفرح الصهیونی بما یحدث الآن فی الوطن العربی، حیث امتدت الرؤیة «الإسرائیلیة» التی استغلت من خلالها ''البروبوغاندا'' السیاسیة الإعلامیة لخدمة المصالح الصهیونیة فی الخارج «الإسرائیلی» ، وذلک فی عدة قضایا دولیة، وخصوصاً تلک التی تخص العالم العربی وتدخل من ضمن خصوصیاته أو سیادته الإقلیمیة، کاللعب على وتر الطائفیة السیاسیة فی الدول العربیة والإسلامیة من أجل إثارة الفوضى والبلبلة وعدم الاستقرار.
فالبروفیسور ''بنیامین عزار'' یقول : ''إن الإیحاء للعالم باستمرار العداء من قبل العرب لـ«إسرائیل» یخدم جملة من التصورات والمفاهیم التی تقوم على أن الدول العربیة ترید إبادة «إسرائیل» وإزالتها من الوجود وهو شیء علینا أن نعمل على إقناع شعبنا والرأی العام به بکل الوسائل التی بین أیدینا لأن ذلک یعد من مصالحنا العلیا''.‏ والهدف من هذا القول هو إضفاء الشرعیة على الممارسات الصهیونیة البشعة والعدوانیة واعتبارها دفاعاً عن النفس ضد الأخطار التی تتهددها کما تدعی .
إن الإعلام الصهیونی کان وما زال یتخذ من تلقین الذهن الیهودی بعقدتی الخوف من العرب وادعاء التفوق التکنولوجی والقیمی علیهم وسیلة لتحقیق أهدافه من أجل تنمیة الشعور بالحقد والکراهیة ضد کل ما هو عربی. ‏ ولا شک بأن الأسالیب الإعلامیة المختلفة التی ینتهجها الإعلام الصهیونی هی دلیل واضح على أن الحرکة الصهیونیة هی من الحرکات القلیلة فی هذا العالم التی أحسنت استخدام سلاح الإعلام ، و سخرته لکی یصبح أداة قویة ومؤثرة فی أیدیها .‏ و الأسالیب المستعملة فی الإعلام الصهیونی کثیرة ومتشعبة ومتداخلة مع بعضها البعض، ولکن جمیعها تفی بالغرض المطلوب سواء کان على صعید الابتزاز أو الاستعطاف، أو أسلوب المناورة . و یرجع نجاح الدعایة الصهیونیة إلى عدة عناصر :‏
ـ تعدد المنظمات الدعائیة وتنوعها وضخامة عددها واعتمادها التخطیط العلمی
ـ تقوم الدعایة الصهیونیة بتوظیف أعضاء الجماعات الیهودیة فی الغرب ، فهم یشکلون جزءاً عضویاً داخل الجسد الغربی على رغم استقلاله النسبی ، ومن ثم تبدو الدعایة الصهیونیة کما لو أنها لیست وجهة نظر دولة أجنبیة وإنما تعبیر عن مصالح أقلیة قومیة
ـ غیاب الدعایة العربیة
ولکن السبب الحقیقی والأول لنجاح هذه الدعایة ، هو أن «إسرائیل» کیان وظیفی أسسه التشکیل الحضاری والإمبریالی الغربی لیقوم على خدمته ، ولذا فهی تحظى بکثیر من التعاطف ، لأن بقاءها کقاعدة للاستعمار الغربی ، جزء من الاستراتیجیة العسکریة والسیاسیة والحضاریة للعالم الغربی .‏
من هنا نجد أن عملیة الدمج الکلی للإعلام بالسیاسة الخارجیة و العسکریة للکیان الصهیونی فی ظل الدعم الغربی إعلامیاً وسیاسیاً ومادیاً وعسکریاً تحاول أن تبث فی نفوس العرب الیأس والإحباط للتخلی عن المقاومة التی هی الطریق الوحید لاستعادة الحقوق المغتصبة وهذا ما قاله رئیس الحکومة الصهیونیة الأسبق ''إسحاق رابین'' : ''إن السیاسة الإعلامیة والدبلوماسیة «الإسرائیلیة» یجب أن تنطلق من أن «إسرائیل» قد أصبحت حقیقة ثابتة فی المنطقة العربیة وأن مهمتها تتجسد فی مواجهة العرب بتلک الحقیقة على الصعید العالمی ، و توضیح مقدار عجز العرب فی تغییر هذه الحقیقة المؤکدة التی یجب أن یقروا بها ویتصرفوا على ضوئها'' .‏
ویتسم الإعلام الصهیونی بسمتین أساسیتین :
الأولى أنه دعایة منظمة ومخططة ذات أهداف استراتیجیة واضحة، فهی تسبق الأحداث وتواکبها ولا تأتی فی أعقابها .‏
والثانیة : أنه دعایة ترکز على تکرار مجموعة من القضایا والدعاوى الباطلة التی یتم الالحاح علیها لترسیخها فی الأذهان وتثبیتها فی ذاکرة الإنسان حتى تصبح وکأنها حقائق یجب التسلیم بها .‏
وفی هذا الإطار نجد أن الدعایة الصهیونیة ترکز على استخدام مصطلح ''النزاع العربی الصهیونی'' بدلاً من مصطلح ''القضیة الفلسطینیة'' لإیهام العالم أن ثمة طرفین متنازعین هما العرب والصهاینة لکل منهما حق فی فلسطین وأن نزاعهما یدور حول هذا الحق کما یصر الإعلام الصهیونی على استخدام مقولة «أرض إسرائیل» بدلاً من إسم فلسطین لیوحی للعالم أن فلسطین لیست أرضاً فلسطینیة بل هی أرض «إسرائیلیة» وأنها ملک للیهود ولیس للفلسطینیین حق فیها .‏
من جهة أخرى یستخدم الإعلام الصهیونی منذ أواخر القرن التاسع عشر مصطلح ''الشرق الأوسط'' بدلاً من عبارة الوطن العربی التی تؤکد عروبة هذه الأرض من المحیط إلى الخلیج (الفارسی) وما «إسرائیل» إلا جسم غریب عن الوطن العربی.‏ کما لم ینس العالم ما روجته الدعایة الصهیونیة لمقولة : إن العرب یریدون إلقاء الیهود فی البحر وکان ذلک تمهیداً للعدوان الصهیونی على العرب فی 5 حزیران 1967 ولکسب عطف الرأی العام العالمی وتأییده.‏
والمتابع للشأن الإعلامی ، یلاحظ أنه قد برزت على السطح فی الأشهر الأخیرة فی «إسرائیل» ، وفی الساحة الإعلامیة فیها على وجه التحدید ، ظاهرة تشیر إلى اتجاه کبار أصحاب رؤوس المال لوضع یدهم على وسائل الإعلام الرئیسیة فی «إسرائیل» ، وبشکل خاص الصحف الکبرى ومحطات التلفزة واسعة الانتشار ، ما أثار القلق لدى أوساط إعلامیة «إسرائیلیة» ترى أن السیطرة المطلقة لرأس المال الکبیر على الإعلام «الإسرائیلی» لا تعنی وضع هذا الإعلام فی خدمة مصالح کبار الرأسمالیین على حساب الشرائح الأخرى ، بما یعنیه ذلک من اتساع التصدع الاجتماعی الذی کشفت عنه موجة الإحتجاجات الأخیرة فی «إسرائیل» فحسب ، بل إن هذه السیطرة تعری مقولات ''حریة الإعلام و التعبیر'' التی دأب الإعلام الصهیونی على تکرارها ، و التی تاجرت بها الصهیونیة کإحدى الرکائز التی اعتمدتها الدعایة الصهیونیة، وهی تروّج للمشروع الصهیونی، کامتداد للحضارة الغربیة ، وکحامل لقیمها فی الدیمقراطیة والحریة، لتبین أن ''الإعلام الحر'' لم یکن إلا أکذوبة أخرى استخدمت لخدمة مصالح النخبة الأشکنازیة التی تدیر المشروع الصهیونی، متحالفة مع النخب الممسکة بالقرار السیاسی والاقتصادی فی عواصم الغرب الکبرى الراعیة للمشروع الصهیونی .
ففی تقریر صادر عن «مرکز حمایة الدیمقراطیة فی إسرائیل» حول الانتهاکات والتعدیات على حریة الصحافة والصحفیین فی «إسرائیل» خلال السنة الأخیرة ، أورد التقریر العدید من الأمثلة التی تبین أن ''حریة الإعلام'' شعار وواجهة وقناع تجمیل ، أکثر بکثیر من کونها واقعاً ملموساً ، وتکشف هذه الأمثلة عن تدخل من یمتلکون القرار السیاسی والاقتصادی والعسکری فی عمل المؤسسات الإعلامیة بأشکال مختلفة، تظهر على سبیل المثال فی العلاقة المشبوهة التی تربط أصحاب رؤوس الأموال من مالکی هذه المؤسسات مع الشخصیات السیاسیة وزعماء الأحزاب .
هذا بخلاف تدخل المتحدث العسکری الذی لا سبیل لمواجهته فی عمل أقسام الأخبار فی الوسائل الإعلامیة المختلفة، وبشکل یعیق عمل الصحفیین فی تناولهم للموضوعات المتعلقة بالجیش بشکل ملائم ، على حد تعبیر التقریر.
ولا ینسى التقریر الإشارة إلى ما یتعرض له الصحافیون الأجانب والفلسطینیون من قیود واعتداءات وإهانات ، ففی التقریر وأمثلته التی لم یتسع المجال إلا للإشارة لبعضها ، ما یؤکد أن حریة الصحافة فی «إسرائیل» ما تزال ، رغم کل مقولات حریة التعبیر المدعاة ، وکما یقول التقریر، غیر مکرسة فی تشریع رئیسی، ولا حتى فی تشریع أو قانون ثانوی، وهی تعتمد أساساً على قرارات المحکمة «الإسرائیلیة» العلیا، ما یجعلها عرضة للتهدید والانتهاک بصورة دائمة، لاسیما أن هذه المحکمة باتت هدفاً معلناً للیمین المتطرف، وربما لا تستطیع أن تحمی نفسها .
إنها شهادة أخرى یضیفها تقریر ''مرکز کیشف'' ، تثبت أن ''حریة الإعلام والتعبیر'' التی طالما تاجر بها الخطاب الصهیونی، زاعماً تفوق الإعلام الصهیونی حتى على الإعلام الغربی الذی استلهم نموذجه بدایة ، لیست إلا وهماً آخر استخدم للتضلیل، فالإعلام الصهیونی ما هو إلا وسیلة لخدمة النخبة الاشکنازیة التی تدیر المشروع الصهیونی ، لا یغیّر من ذلک أقنعة ''الحریة'' التی تسقطها شهادات «الإسرائیلیین» ، قبل غیرهم .
وعلیه فإننا نستطیع أن نطلق على الإعلام الصهیونی بأنه إعلام رسمی موجه، یعتمد الموقف الرسمی فی کل تحرکاته وسکناته ، و کأنه موقف لا جدال علیه ، والرأی الآخر یأتی على شکل موقف مشکوک بمصداقیته (ولهذا الأمر عدة أمثلة، فلم یشکک الإعلام «الإسرائیلی» أبدا فی روایة واحدة من تلک التی یرویها الجیش «الإسرائیلی» ، ـ فی وقت تعتبر فیه ـ الروایة الفلسطینیة هی روایة مشکوک بها، فالجیش مثلا (یقول) أما المصادر الفلسطینیة فإنها (تزعم) ، والجیش (یطلق النار ردا على اعتداء) ، والفلسطینیون (معتدون) ، بحیث تتحول الحقیقة فیه إلى کذبة، والواقع إلى خیال ، وبمعنى آخر تکون الضحیة هی الجزار والإرهابی، والمحتل المستعمر هو الضحیة البریئة المغلوب على أمرها ، و بالتالی تتغیر صور الحوار وواقع الحال وکل ما یکون من آثار ومشاهد إلى مصطلحات محورة ومزیفة ، ومنطق عذب یخفی وراءه عنقاء الانتقام وغول الحقد والکراهیة وأسوأ مظاهر الکذب والخداع الإعلامی السیاسی على الأذقان واللحى .
وهکذا یقوم الإعلام الصهیونی بتلبیس الحق بالباطل و تصویر الضحیة جلاداً والقتیل قاتلاً لتضلیل الرأی العام وقلب الحقائق وطمسها وفی هذا الإطار یصور هذا الإعلام «الإسرائیلی» قانون ''جیسو'' الفرنسی الصادر عام 1990 والذی یسمح بمقاضاة المتهمین بمعاداة الیهود أو ما یعرف باسم معاداة السامیة فی خنق حریة الرأی لکل من یتجرأ على انتقاد السلوک «الإسرائیلی» ، فقد مثل أمام القضاء الفرنسی عدد من المفکرین والکتاب والأدباء العرب والغربیین بتهمة التحریض على معاداة الیهود ومنهم الصحفی ''إبراهیم نافع'' والمفکر الفرنسی ''روجیه غارودی'' وغیرهما .‏
یقول الباحث الفرنسی ''دونیس سیفیر'' فی کتابه "الحرب الإعلامیة «الإسرائیلیة» الجدیدة" : ''یجب أن یکون ثمة إعلام کامل یؤدی ذات الدور الذی تؤدیه البندقیة والطائرة النفاثة والقنابل التی تسقط آلیاً على الضحایا، لأن الحرب سوف تکون مخططاً مدروساً یجب التحکم من خلاله والذی یرتبط فیما بعد بالعامل النفسی للصهاینة ومن ثم المجتمع الدولی الذی لا یجب أن یرى الحرب کما هی حقیقة بل کما یبثها له الإعلام الصهیونی فقط أی حرباً ''نظیفة'' لا یموت فیها سوى الإرهابیین''.‏
ویوضح ''سیفیر'' الدور الخبیث لهذا الإعلام وکیف أنه یعتمد على مبدأ أکذب حتى یصدقوک والذی بکل أسف ـ کما یقول الکاتب ـ انحازت إلیه دوائر إعلامیة غربیة کثیرة صدقت الخبث الصهیونی القائل إنه یدافع عن نفسه من الإرهاب والذی أیدته فی حربه هذه کل الوسائل الإعلامیة وغیر الإعلامیة الأمیرکیة التی بدورها تخوض نفس اللعبة القذرة فی کل من العراق وأفغانستان وأصبح الإعلام الجدید یدافع عن المجرمین على حساب الضحایا متناسیاً أن صورة الضحایا أخطر وأکبر.‏ وفی حقیقة الأمر لیست البروبوغاندا الإعلامیة الصهیونیة بما تحتویه فی مضمونها من خداع وأکاذیب وتشویه لمعنى ومضمون حقیقة الإعلام ، نتاج الوجود الصهیونی «الإسرائیلی» الحالی فی عالمنا العربی، أو نتاج الصراع العربی «الإسرائیلی» على وجه التحدید، وإنما هو نتاج وامتداد تاریخی لأیدیولوجیا بشریة غریزیة مبنیة على الکراهیة والحقد والکذب وفن الخداع على الآخرین منذ الأزل، وقد ورد فی کثیر من الکتب التاریخیة السماویة الیهودیة کإصحاح أشعیا وعاموس وأرمیا وغیرها من الکتب والأصاحیح الیهودیة، ما یدل على هذه الحقیقة التی طالما تنصل منها الیهود الصهاینة.
فهذا أرمیا یتحدث عن غضب الله ورفضه جیلا بکامله من الیهود، لأن الحق قد باد وتمزق بسببهم فیقول: (فتکلمهم بکل هذه الکلمات ولا یسمعون لک، وتدعوهم ولا یجیبونک، فتقول لهم هذه الأمة التی لم تسمع لصوت الرب ولم تقبل تأدیباً، باد الحق وقطع عن أفواههم، جزی شعرک واطرحیه وارفعی على الهضاب مرثاة، لأن الرب قد رفض ورذل جیل رجزه). (ارمیا 7: 28 ـ 29)
وبالتالی فإن ''البروبوغاندا'' الإعلامیة السیاسیة الصهیونیة الحالیة هی جزء لا یمکن فصله عن التاریخ الیهودی الصهیونی القدیم والحدیث ، کما أنها من أسس بناء المشروع القومی الصهیونی العالمی القائم على بناء وتأسیس «إسرائیل الکبرى» أو «إسرائیل التاریخیة» ، الذی یتم توجیهه وإدارته من الولایات المتحدة الأمیرکیة، وعلى وجه التحدید من قبل اللوبی الصهیونی الذی استطاع أن یسیطر على العدید من المراکز الحساسة فی تلک الإمبراطوریة ، بل أن ینشأ فیها المرکز الرئیسی للدعایة الإعلامیة السیاسیة الصهیونیة، و ''البروبوغاندا'' الإعلامیة الصهیونیة فی العالم، وذلک من خلال ذلک الکم الهائل من الصحف والدوریات والقنوات الإعلامیة الفضائیة ومراکز البحث والدعایة وغیرها الکثیر من وسائل الإعلام الحدیثة .
والعائد للتاریخ یستطیع أن یلمس أن الإعلام العربی لم یکلف نفسه عناء التصدی للدعایة الصهیونیة فی الغرب فی الوقت الذی استطاع فیه الإعلام الغربی إقناع الرأی العام هناک بأن ما یفعله العرب أمر فیه تعصب وعنف وعدوانیة ، و فوق هذا مناهض للسامیة ... و أن «إسرائیل» هی الحلیف الغربی الوحید فی الشرق الأوسط، ولذلک غنمت ما یسمونها بالدولة العبریة مئات الملیارات من جیب دافع الضرائب الغربی، وبالذات الأمیرکی ، الذی أعماه إعلامه عن السؤال البدیهی : لماذا أدفع من جیبی قوت دولة أخرى بینی و بینها آلاف الکیلو مترات؟‏ وأصبح الفلسطینیون یضطهدون من جانب «إسرائیل» دون أن یرفع صوت واحد فی الغرب لنصرتهم، فصورة الفلسطینی الذی استطاع الإعلام الغربی أن یرسمها فی ذهنیة الرجل الغربی هی عدوانی وغریب ومتصلب وإرهابی وهو بلا شک المتسبب فی تعطیل "عملیة السلام" .‏
إننا إذاً أمام قضیة لا یمکن أن ندیر رؤوسنا عنها ، والإعلام الغربی التی تتحکم فی مفاصله الصهیونیة ، حقیقة مؤلمة فی حیاتنا السیاسیة والثقافیة ولن تنفع محاولات التقلیل من شأنه وقدرته على الإساءة إلینا... إنه قوة هائلة، عریقة فی النشوء ، مذهلة فی التطور کاسحة فی التأثیر تغطی القارات الخمس بلا منازع لتزرع فی أذهان الشعوب ما تشاء فی الصور ، و تدفع بهم إلى ما تشاء من المواقف، لا تبالی فی ما تتناوله من أحداث العالم بالعرض والتحلیل إلا ما تراه خطأ أم صواباً معبراً عن قناعاتها .‏
ما العمل إذاً کی یواجه العرب الإعلام الغربی الموجه من قبل الصهیونیة، مواجهة عقلانیة تمنح دفوعهم مصداقیة القبول بعیداً عن انفعالات الکبریاء.
أعتقد أن سبیلنا إلى ذلک أمران : تحصین الجبهة الداخلیة من خلال استکمال النقص والإصلاح والحوار المتواصل الهادئ مع الإعلام الغربی على اختلاف مشاربه .‏ وقد رأینا کیف تعمد الدول الکبرى إلى الاستعانة بالإعلام وهی تعد لعمل سیاسی ضخم من أجل تهیئة الرأی العام الداخلی والخارجی لقبول ذلک العمل وتأییده کما حصل فی أفغانستان والعراق ، ولن یفیدنا فی شیء أن ندفع بالقول إنها حملات مغرضة بل علینا أن نرصد باهتمام مواقف وسائل الإعلام ونفتح معها حواراً صبوراً طویل النفس ، هادئاً ، نبدأه ، بالخصوم قبل الأصدقاء ونتیح لها مداخل الاطلاع على ما ترید حتى لا یدفع بها انغلاقنا على النفس لتصورات واهمة واجتهادات خاطئة أو شائعات یروج لها المرجفون. ‏
إن التحدیات التی تواجهها المجتمعات العربیة الیوم ، تستدعی تفعیل دور الإعلام العربی لینهض بدوره التثقیفی المطلوب ، وإن کان هذا الإعلام یمر بمخاض عسیر نتیجة ارتباط بعض وسائله فی فلک المؤامرة ضد الشعوب العربیة التی تقف بوجه المشروع الصهیونی فی المنطقة العربیة.‏ وبکل الأحوال هنالک جملة عناصر لرسم استراتیجیة إعلامیة عربیة تتمثل فی رسم خرائط معرفیة للاتجاهات الإیدیولوجیة فی الوطن العربی، ولعل أهمیة هذه الخرائط أن تقضی على التعمیمات الجارفة عن العرب والمسلمین التی تصوغها الدوائر الغربیة السیاسیة والثقافیة والإعلامیة.‏

صور أو مقاطع فيديو

الإعلام الصّهیونی وأیدیولوجیا التصهین؟!

رابط مصدر الأخبار

اترك تعليق
الاسم:
البريد الإلكتروني:
التعليقات:
الكود الأمنى:
12 + 3 =

تقارير إضافية

الحملة الانتخابية و"شعب الفيسبوك" .. سلاح ذو حدين وجمهور متقلِب

20:08 Sep 02, 2015

الرباط, عمالة الرباط, الرباط سلا القنيطرة, المغرب, 0 Kms

تكريم لمدير الـCCM قبل إتمام عامٍ بمنصبه

23:33 Sep 03, 2015

الرباط, عمالة الرباط, الرباط سلا القنيطرة, المغرب, 0 Kms

تواصل الاحزاب السياسية عبر الرسائل النصية والالكترونية يطرح اشكالية حماية المعلومات الشخصية

00:49 Sep 03, 2015

الرباط, عمالة الرباط, الرباط سلا القنيطرة, المغرب, 0 Kms

تقرير حول السمعي البصري بالمغرب:مس باستقلالية الاعلام و اعتداء على حقوق المشاهد

13:00 Sep 06, 2015

الرباط, عمالة الرباط, الرباط سلا القنيطرة, المغرب, 0 Kms